الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
260
نفحات القرآن
وقد شبهت الآية الثانية المنافقين بالذي ضلَّ متورطاً في ظلمات الليل ، ثم استوقد ناراً ليرى مما حوله ، فجاء ريح عاصف وأطفأ ما استوقده فبقي في الظلمات تارة أخرى ، فلا يبصر ولا يسمع ولا ينطق شيئاً ، ولا طريق له للرجوع . قد يكون المراد من النور الذي جاء في الآية هو نور الإيمان الظاهري الذي يراه المنافق ويستضئ به ما حوله ويحفظ نفسه وماله تحت ضيائه . أو أنّ المراد منه هو نور الفطرة الذي جُبل عليه الإنسان ، والمنافقون يستثمرون هذا النور في البداية ، ولا يمضي زمن طويل حتى تأتي زوبعة النفاق فتطفئه . وتحدثت الآية الثالثة والرابعة عن المنافقين مرضى القلوب ، وبقرينة الآيات السابقة ندرك أنّ المراد من « الذين في قلوبهم مرض » هو نفس المنافقين وأنّ العطف عطف تفسيري « 1 » ، إلّاأنّ الآية الثالثة تحدثت عن موقفهم في معركة بدر ، والرابعة عن موقفهم في معركة الأحزاب ، والفرق هو أنّهم كانوا في « بدر » في صفوف المشركين لأنّ المشركين يوم ذاك كانوا القوة الراجحة ، وفي معركة الأحزاب كانوا مع المسلمين . كانوا يقولون : « اغترَّ هؤلاء المسلمون بدينهم ، وقد خطوا هذه الخطوة الخطيرة ( الجهاد ) رغم قلة العدّة والعدد ظناً منهم بالنصر ، أو بالشهادة التي مصيرها الموت » ! بالطبع ، إنّهم غير قادرين - بسبب المرض الذي في قلوبهم - على الإدراك الصحيح لعوامل النصر الحقيقية أي الإيمان والثبات والفتوة التي هي وليدة الإيمان فما كانوا يدركون أن من يتوكّل على اللَّه القادر فهو حسبه وهو ناصره ، والشاهد على هذا الحديث هو ما حصل
--> ( 1 ) . لقد جاء في تفسير الميزان ، ص 164 و 302 ؛ وكذلك تفسير الكبير ، ج 15 ، ص 176 ، أنّ المراد من الذين فيقلوبهم مرض هم ضعيفو الإيمان وهم غير المنافقين . لكن لا يتناسب ضعف الإيمان مع المرض في القلب ، إضافة إلى أن الآيات الثلاثة عشرة التي جاءت في أوائل سورة البقرة استعملت هذا التعبير في حقهم . كما يبدو بُعد الرأي الذي يفسر المرض بالترديد والشك ، لأنّ المرض نوع من الانحراف ، بينما الشك نوع من الفقدان .